محمد بن جعفر الكتاني
193
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وكان - رحمه اللّه - من أهل الأحوال والكرامات ، والبركة والتصرف وخرق العادات ، مولها مجذوبا ، مغربا محبوبا ، غائبا عن البرد والحرارة بحيث ربما كان الناس زمن البرد يرتعدون من شدته وهو يرشح عرقا ، وذلك عند غلبة الحال عليه . وكان إذا اعتراه ؛ ينام اليوم واليومين والثلاثة وأكثر ، وربما ينام على الأرض من غير حائل ، وإذا وضع على حائل ؛ دفعه برجليه ، وكان ربما يكون في الطريق ماشيا ، فيخرج نعله من رجله وهو لا يشعر ، وتسقط الدراهم وغيرها من يده ولا يشعر أيضا ، ويدخل بعض الدور التي يمر عليها من غير استئذان ، وربما يكون نائما فيفتح عينيه ويقول : « أين أنا أين أنا ؟ » ، كل ذلك من شدة الغيبة . ومن كراماته : أن رجلا من الشرفاء كان أهله يتهمونه برؤية المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم وبالاجتماع به في بيته من داره ، فجاء صاحب الترجمة مرة ودخل الدار التي بها الشريف المذكور ، وولج محله الذي يكون به من غير تقدم معرفة له به ، وجعل يقبله ، ويقول : « سعدي بسيدي ، رائحة سيدي هنا ! » ، فعلموا صحة ما ينسب للشريف المذكور من الاجتماع به صلّى اللّه عليه وسلم في محله المذكور من داره ، وصحة كشف صاحب الترجمة وولايته . وأخبرني شريف صالح ثقة من أبناء عمنا قال : « قلت له مرة : إن الشيخ سيدي العربي التكناوتي ازداد عليه الحال في هذه [ 172 ] السنة وقد ثقل بسبب ذلك » ، قال : فقال لي : « مسكين مسكين ؛ رفد « 1 » الحمل في سنة واحدة فثقل عليه ، وأنا منذ تسع سنين وهم في كل سنة يزيدون علي حملا فما تثاقلت لذلك » . وكان الشيخ سيدي العربي المذكور إذا رأى أحدا من أصحاب صاحب الترجمة ، أو أبناء عمه ، يقول له : « اطلب لي الدعاء منه » . ويؤكد عليه في ذلك . وكراماته - رحمه اللّه - كثيرة شهيرة ، توفي أواخر العشرة الثامنة من القرن الثالث بعد الألف ، ودفن بالروضة المذكورة ، وقبره معروف مزار عند بعض الناس ، وهو عار ليس عليه بناء ولا غيره ، ورأته امرأة من أقاربه بعد موته ، فزعمت أنه قال لها : « من زارني في قبري فكأنما زار نبيا مرسلا » ، أو قال : « النبي صلّى اللّه عليه وسلم » ، يشير لها بذلك إلى أنه في مقام الخلافة عن واحد منهم ، عليهم الصلاة والسلام . ومعلوم أنه لا يلزم من ذلك أن يكون في درجته ؛ لأن الأولياء حسنة من حسنات الصحابة ، والصحابة حسنة من حسنات الأنبياء ، ولا يبلغ أحد من الأولياء مرتبة أحد من أصحابه عليه الصلاة والسلام ؛ فكيف يبلغ مرتبة نبي من الأنبياء ؟ ! ! . فافهم .
--> ( 1 ) أي : حمل .